بين العدل والإحسان في الحياة الزوجية

ahlam

New member
7 ديسمبر 2016
151
2
0
بين العدل والإحسان في الحياة الزوجية

الحمد لله (وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تُظهرون)1 ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون)2 ، ونشهد أن سيدنا محمداً عبد الله
ورسوله (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون)3.
عباد الله اتقوا الله حق تقاته (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعبٌ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون)4 ؛ أما بعد : فإن أصدق الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكلَّ بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار.
وإن من كلام الله تعالى قولَه (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)5 ، والنعم العظيمة قد تخفى لشدة قربها ، وكم من نعمة يمرون عليها وهم عنها غافلون ، وكم من خائض فيما يجهل لو أنصف لاعتبر فتعلم.
إن ابن آدم لا يصل إلى الحق حتى يخلع حجاب الخلق عن نفسه ؛ فإن وقف على نفسه بالحق فعندها تحصل التذكرة ؛ قال تعالى : (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)6 ، وإن وقف على نفسه بالباطل هلك ؛ قال تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلههُ هواه)7 ، وقال تعالى:(ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)8
وفي الأسرة المسلمة تحصل اختلالات سببها بدايات مغلوطة ، ومن صحت بدايته صحت نهايته ، ومن فسدت بدايته لم تسلم نهايته ، وأول البدايات المغلوطة الفهم الخاطئ لتركيب الأسرة ، فقليلو الفقه والعلم يتصورونها ساحة معركة بين الزوج وزوجته ، كل منهما يعمل لفرض إرادته على الآخر ، ووراء كل منهما حشد من الأقارب والأنصار ، والكل يحدثك عن الحقوق ، والكثيرون ينسون الواجبات ، ولو ذهبنا إلى قوله تعالى : (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظم لعلكم تذكرون)9 لوجدنا أن بعض مفاهيم تلك الآية يكاد يغيب في حياة الأسرة ، وقد روى ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله :"إن أجمع آية في القرآن لخيرٍ وشرٍ هذه الآية! الآية تأمر بالعدل ولكن لماذا التعقيب وراءه بالأمر بالإحسان ؟ ... لسبب في غاية الأهمية : وهو نسبية العدل! فكل أحد ربما يتوهم العدل في جانب ، وإذا كانت هناك حرفية في طلبه استحالت الحياة إلى معركة ضارية ، ولكن خلق الإيمان يمتد ليطالب أهل الاستقامة بالإحسان ، وهو التفضل بأن يقابل الخير بأكثر منه .. وعندها فإن النفوس تبقى في بحبوحة ؛ كائنة ما كانت المشاكل المحيطة.
أنتم تجلسون في المسجد وقد امتلأ بكم ؛ فإذا طلب منكم إمامكم أن تقاربوا بين صفوفكم بذل كل واحد منكم شيئاً يسيراً من مكانه لإخوانه ؛ فإذا بالمسجد يزداد اتساعاً ، وما زاد فيه باع ولا ذراع من الأرض ؛ ولكن النفوس هي التي اتسعت ، ولو ضاقت الأرض بواحد من الناس لما وسعته كلها مع عدو له!
رحب الفلاة مع الأعداء ضيقةٌ سَمُّ الِخياط مع الأحباب ميدان
إن مفهوم الإحسان من أكد الأمور في الأسرة ، فإن الإحسان يعطي العدل بحبوحة والنفوس استقراراً ... وكم من أصحاب طيش صدعوا أسرهم في لحظات اتقاد الغضب ، ولو بذل كل من الزوجين شيئاً من السماحة مع الإغضاء عن الهفوات في لحظات اتقاد الآخر منهما لسهلت الحياة .. والملاحظ أن البعض يكون مثل قذيفة متفجرة فيستقبله الآخر بلغم ناسف فتتصدع الأسرة!
ويشير حديث شريف تتعدى فائدته حدود الأسرة إلى كل جنبات المجتمع ؛ إلى أمر في غاية الأهمية ؛ إذ يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحُسن الخلق)10.
إن الدنيا ليست بدار عدل أبداً ، ومهما يكن فيها منه فهو نسبي ، وإنما يعيش الناس مع بعضهم بالإحسان الذي لا يكون العدل المطلوب معه سيفاً يذبح ، ولا سوء خلق يفضح ؛ بل صبراً وسماحة وإغضاء عن العثرات ، وكريم خُلق يُمدح ، ويلاحظ أن السنوات الأولى من الحياة الزوجية تكون فيها بعض النتوءات والمشاكل ، وهذا أمر طبيعي ؛ فإن كلا من الزوج والزوجة يختلفان في الطباع والنفسيات ، وكل منهما صياغة بيئة معينة .. والمرحلة الأولى هي مرحلة تفاهم وانصهار لتحصل التركيبة الجديدة ؛ التي هي خلاصة ومحصلة بيئتين مختلفتين ، وكل مايلزم هو التحلي بالصبر والخلق الجميل من الطرفين ، ومحاولة فهم الآخر ، وقبوله من خلال أحسن ماعنده ، والتنبيه الرفيق لترك ماعنده من أغلاط ، وعدم الوقوف على مالا ضرر منه ؛ مع الإغضاء عن الهفوات والعثرات ؛ وفي الحديث الصحيح ( لا يفرَك [أي لايبغض] مؤمن مؤمنة ؛ إن كره منها خلقا رضي آخر)11، وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه حفظ أم ضيع حتى يُسأل الرجل عن أهل بيته)12؛ فإذا وجدت مكارم الأخلاق في البيت من الطرفين كلاهما ؛ فما هي إلا شهور تنقضي فيعتاد الرجل على زوجته ، وتعتاد الزوجة على زوجها ، وتصبح حياتهما خيراً وبركة وسعادة ورحمة .
وأسوأ الأمور أن يطالب الفرد بحقه وينسى واجباته ، فيشتعل البيت مشاكلاً ، وبعض الأسر لا تصطلح حتى تكاد نار الخصومة تتلف كل شيء ، وقد قدم القرآن الكريم حلولاً وقائية لدرء الخصومة ؛ ولعلاجها ؛ فقال تعالى : (وإن خفتم شِقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفقِ الله بينهما إن الله كان عليماً خبيرا) 13 ؛ وقد نقل القاسمي عن الحاكم أن في الآية دلالة على أن كل من خاف فُرقة وفتنة جاز له بعث الحكمين .. والأمر للوقاية قبل وقوع المحذور .. فربما اشتبهت أمور على الزوج أو الزوجة وبذلا ما في وسعهما لإبعاد مظان الخلاف ؛ فلم يصلا إلى نتيجة ؛ وعندها ينتدب كل منهما حكما من أهله .
قال الإمام القاسمي: "فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للإصلاح فيلزمهما أن يَخلوا ويستكشفا حقيقة الحال". ولابد من الإشارة إلى أدب شرعي في غاية الأهمية ، وهو أن يقتصر الأمر على أضيق نطاق حفظاً للأسرة وصيانة لأسرارها الخاصة ، ومنعاً لإرجاف الناس في الموضوع ، وقد ورد في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (إن من أشرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها)14 ولا يقتصر الأمر على المنع من الحديث عن الإفضاء والميثاق الغليظ ؛ بل إن أصحاب المروءات ، ما كانوا ليذكروا لغير الحكمين شيئاً من قليل أوكثير ، وقد روي عن أحد السلف أنه حصل نزاع بينه وبين زوجه ؛ فتدخل أحد الفضوليين سائلاً عن المشكلة؟ فقال الرجل : العاقل لايفضح نفسه ، ويبدو أن الدروب كانت مسدودة فانفصل الرجل عن زوجه فعاد الفضولي يسأل : ماذا كان سبب الانفصال؟ فقال الرجل: لاأحل لنفسي الكلام على امرأة ليس لي عليها حق!
إن بعث الحكمين غايته أولاً توضيح بعض الأمور الخافية على أحد الزوجين أوكليهما من ناحية الحقوق والواجبات ؛ فقد يتصور الرجل أن له مثلاً حق ضرب زوجته فيضربها ؛ غافلاً عن السنة الفعلية والفقه النبوي في ذلك ؛ فما ضرب النبي عليه الصلاة امرأة ولا خادماً قط15 ، وينسى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نصح صحابية كريمة بألا تتزوج بفلان من الناس لأنه لايضع العصا عن عاتقه 16، وينسى أن بعض الفقهاء قالوا عن الضرب أنه بالمنديل ونحوه مما هو إشعار بغلط وتنبيه نفسي إن لم يفقهه الرجل وتعسف في فهمه نبهه الحكمان إلى حدوده فيه.
وكذلك المرأة : فإن فيهن مسترجلات يعشن ردود أفعال لقصص سمعوها ، فترى الواحدة منهن تتصور الزوج أرضاً يجب احتلالها بالسلاح الأبيض لتطهير قلب الرجل من كل برٍ له بأمه وأبيه واخوته ؛ بدل إعانته على الإحسان لأهله ومن حوله! فيشرح لها الحكمان غلط نظرتها ، والوجوب الشرعي لبر الرجل بأمه وما إلى ذلك ؛ وقد يكون عمل الحكمين : التوعية بتجارب حياتية ما من أسرة إلا وتمر بها في أول إنشائها ، ويلفتان أنظار الزوجين إلى الأسلوب الأمثل في حل المشاكل وتلافي الصعاب.
وق يكون عمل الحكمين إعادة ملئ القلوب بالحكمة والإيمان ، والتذكير بالله ، وإزالة صدأ القلوب ، وتقوية جسور الألفة وإعادة النفس إلى الأدب الإيماني والخلق النبوي الكريم ، وصدق تعالى (إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما)17 فيتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرضُ ويتم المراد .. وكم من سوء فهم حصل بين أصحاب قلوب سليمة ؛ إما لجهل أمور شرعية ، أو نقص خبرات حياتية ، أوصدأ قلوبٍ قارَفَهُ ملل وضيق صدر .. وما من نيةٍ لواحدهما في انفصال أو افتراق .. فهؤلاء (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) .
أحد الطروحات العجيبة في فقه الأسرة أسئلة وجدتها في صندوق الرسائل منذ مدة 18 ، ولم أجب عليها إلى أن أتت مناسبتها ، وخلاصتها أن مدرسة فاضلة قالت لتلميذاتها : : إذا قال زوج الواحدة منكن لها لا تذهبي إلى المكان الفلاني فلا تستجيبي لطلبه! وإذا طلب منها أمراً فلتعرض عنه! ودعمت هذه الأستاذة رأيها بأن أول كلمة يتعلمها المسلم هي أن يقول: لا ، وعنت بذلك قوله : لا إله إلا الله ، وذكرت أكثر من رسالة أن خلافات عائلية كادت تحصل بسبب تلك النظريات المحفوفة بغيبوبة هائلة فقهية وتربوية وحياتية!
ابتداءً أقول: أنه ربما كانت هناك إساءة في النقل أو الفهم مما لا تتحمل تلك المُدرسة وزره ، ولكن ما فهمه البعض يحتاج إلى تصحيح أكيد! .. والذي يؤكد عليه القرآن الكريم شيء آخر تماماً إذ يقول تعالى : (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) 19 ، وكل فكر يحيل البيت إلى حلبة صراعٍ فمرفوض سواء بحق الرجل أو المرأة .. والأمر الثاني أن الإنسان لا يمكن له أن يعيش في أسرة تنتزع فيها الحقوق انتزاعاً .. والأرض تميد بالخلافات ، وفرض الآراء هو الغاية من دون هدى ولا تبصر ، والأمر الثالث : أن التعامل بتلك الطريقة من شأنه تجفيف كل أسباب التراحم والتواد وإحالة الحياة إلى مهام ثقيلة ، ومادية قاتلة تحطم السعادة والاستقرار ، وبالتالي فإن الزواج كله إذا فقد معناه الأساسي وجوَّهُ القائم على المودة والرحمة تحول إلى لقاء بهيمي حسي غليظ ، وهذا من أحد أسباب دمار الأسرة وتلاشيها في مجتمعات عديدة وخصوصاً الغربية منها.
إذا أصبح سبب اللقاء هو المتعة الجنسية فقط [ولو رافقته هالات من الود بعضها حقيقي وأكثرها زائف] فإن الارتواء يؤدي إلى الملل ، ثم تشتاق النفس إلى التغيير [وتبدأ انحرافات عديدة ثم تفتح أبواب الشذوذ] ومن ثم تتحطم الأسرة ، وتفقد كل وشائج المودة ؛ لأنها قامت على جسر شديد الضيق ؛ تهوى هوياً بخرابه وسقوطه!
وما تزايد حالات الطلاق ومهما كان لها من أسباب اقتصادية أو اجتماعية فإن غياب جسور التواد النفسي والتراحم الإنساني في الأسرة هو الذي يصدعها ، وفي العدد الأول من نشرة السكان والتنمية التي أصدرتها وزارة الإعلام بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان ، واليونسكو ، والصادرة في نيسان من هذا العام :
أرقام مقلقة جديرة بالتأمل والتفكير الطويل.
 

سجل اعجابك بالصفحة لتتم عملية التحميل بشكل اسهل من هنا